نبيل أحمد صقر
110
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
« والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر ، قاله الراغب ، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوض لها ، نقول : نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ، ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ، ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى ، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر ، وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص ، وهو إثبات المزيل ، وأما أن يطلق على مجرد إثبات فلا أحسبه صحيحا في اللغة ، وإن أو همه ظاهر كلام الراغب ، وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا أخططت أمثال حروفه في صحيفتك إذا وجدوه إثباتا محضا ، لكن هذا توهم لأن يطلق النسخ على محاكاة حروف الكتاب بإطلاق مجازى بالصورة أو تمثيله بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ، ثم جاءت من ذلك النسخة ، قال تعالى : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ « 1 » وقال وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ « 2 » وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز ، ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة ، فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي ، بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير » « 3 » . ويقول في تفسير الآية السابقة : « والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها » « 4 » .
--> ( 1 ) سورة الجاثية ، الآية 29 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 154 . ( 3 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 654 . ( 4 ) التحرير والتنوير ، ج 1 ، ص 654 . وذكر هبة اللّه بن سلامة : « المنسوخ في كتاب اللّه على ثلاثة أضرب ، فمنه ما نسخ خطه وحكمه ، ومنه ما نسخ خطه وبقي حكمه ومنه ما نسخ حكمه وبقي خطه » الناسخ والمنسوخ ، ص 5 .